كلمة العراق في الاجتماع الوزاريّ لحركة عدم الانحياز في سياق اجتماعات الدورة الـ73 للجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة في نيويورك

03.10.2018

 

 

   

 

بسم الله الرحمن الرحيم

السيِّد الرئيس...

أصحاب المعالي والسعادة...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

بعد أن طوى العراق صفحة الحرب ضدّ عصابات داعش الإرهابيَّة يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة قوامها إعادة إعمار وبناء المُدُن، وتحقيق التنمية في مُختلِف المجالات.. وفي هذا المجال نُشِير إلى نجاح انتخابات مجلس النواب الأخيرة التي أُجرِيَت في العراق في 12/5/2018، وتـأكيد العراقيِّين بالدليل العمليِّ الملموس على تبنـِّيهم النهج الديمقراطيَّ التعدُّديَّ لتنظيم حياتهم، ويضمن لهم جميعاً تحقيق التقدُّم، والرقيِّ، والعدالة الاجتماعيَّة.

إنـَّنا اليوم على أعتاب تشكيل حكومة وطنيَّة جديدة شاملة لكلِّ الأطياف العراقيَّة هدفها خدمة المُواطِن، وتعويضه عن مُعاناته في الحرب ضدَّ الإرهاب، وإعادة العراق إلى وضعه الطبيعيِّ.. وسيكون من أهمِّ أولويَّاتها إعادة بناء المُدُن المُحرَّرة، وبُناها التحتـيَّة التي تضرَّرت كثيراً؛ بسبب الإرهاب الداعشيِّ المُجرِم، واستكمال إعادة النازحين واللاجئين إلى مُدُنهم، وتوفير الخدمات الأساسيَّة فيها، ونشر ثقافة التسامح في المُجتمَع، وإرساء أسس الحكم الرشيد.

ونحن إذ نقف بينكم اليوم ليس لنا إلا أن نتقدَّم بالشكر لكلِّ الأشقاء، والأصدقاء الذين قدَّموا لنا الدعم في حربنا ضدَّ عصابات الإرهاب التي تُشكـِّل خطراً ستراتيجيّاً على كلِّ شُعُوب العالم.

السيِّدات والسادة...  

نجتمع اليوم تحت شعار نحو ثقافة للسلام.. فاسمحوا لي بالقول:  

كانت حركتنا حركة عدم الانحياز، ومازالت إحدى أهمِّ مِنصَّات الدبلوماسيَّة المُتعدِّدة الأطراف التي ساهمت بشكل فعَّال منذ عُقود من الزمن في تعزيز السلم، والأمن الدوليِّين.. فمن دورها التاريخيّ المعروف في دعمها لحركات التحرُّر ضدَّ القوى الاستعماريَّة، والإمبرياليَّة خُصُوصاً في ستينيَّات القرن الماضي إلى دورها المحوريِّ في التنمية الاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة لهذه الدول بعد حُصُولها على استقلالها، وتحرُّرها التامِّ من الاستعمار.

إنَّ هذا الإرث الإنسانيَّ المُشرِق لحركتنا، ومواقفها التاريخيَّة العادلة، والتنسيق الفاعل بين دولها يدعونا اليوم لإعادة تفعيل دورها التاريخيِّ لمُواجَهة تحدِّيات اليوم، وتغليب ثقافة السلام التي نطمح أن تسود العالم.

إنَّ ما يمرُّ به عالمنا اليوم من تحدِّيات مُعقـَّدة مُتمثـِّلة بالنزاعات المُسلـَّحة المُتعدِّدة التي لا يكاد ينجح المُجتمَع الدوليُّ في إخماد نارها هنا حتى ينشب حريق آخر في مكان آخر من عالمنا، وإنَّ ما نعيشه، ونراه من التدخُّلات الخارجيَّة في شُؤُون الدول المُستقِلـَّة ذات السيادة من جهة، والإرهاب الدوليّ، وما تُعانيه دولنا بسببه من جهة أخرى يدعونا لتوحيد جُهُودنا المُختلِفة، وتعزيز التعاون على المُستويَين الإقليميِّ والدوليِّ.. وإنَّنا على ثقة بأنَّ تفعيل عمل الدبلوماسيَّة المُتعدِّدة، ودور المُنظـَّمات الإقليميَّة يجب أن يكون أولويَّة لنا في المرحلة القادمة؛ فعن طريقها نتمكـَّن من تقوية أواصر التعاون الفعَّال، ونشر ثقافة السلام، ومبادئ الحُرِّيَّة، والمُساوَاة، وقبول الآخر.

السيّدات والسادة...

إنَّ من أهمِّ مبادئ سياسة العراق الخارجيَّة الثابتة التي يدعو لها دوماً هي احترام سيادة الدول، وعدم التدخـُّل في شُؤُونها الداخليَّة تحت أيِّ ذريعة، وحلّ جميع النزاعات بالطرق السلميَّة على وفق مبادئ القانون الدوليِّ، وميثاق الأمم المتحدة.. ولعلَّ الموقف العراقيَّ الثابت من الأزمتين في كلٍّ من سوريا واليمن دليل واضح على تمسُّكه رغم كلِّ الظروف، وكلِّ الضغوط.

إنَّ مبادئ سياستنا هذه تتوافق تماماً مع مبادئ حركتنا (المبادئ العشرة لإعلان باندونغ)، والتي -بدورها- تتطابق مع ميثاق الأمم المتحدة، وقواعد، وأعراف القانون الدوليِّ، إذ يجب أن تكون هذه المبادئ أساساً للإطار العمليِّ لتفعيل دور حركة عدم الانحياز في نشر ثقافة السلام، ونبذ العنف، وحلِّ جميع النزاعات بالطرق السلميَّة على وفق أحكام المادَّة (33) من ميثاق الأمم المتحدة.

السيِّدات والسادة ...

إنَّ قضيَّة الشعب الفلسطينيِّ يجب أن تكون حجر الزاوية في عملنا المستقبليِّ، وأساساً ننطلق منه في تعاملنا مع مُحيطنا الإقليميِّ والدوليّ، إذ لا يُمكِن أن ندعو إلى عالم خالٍ من النزاعات، فيما لاتزال مأساة الشعب الفلسطينيّ مُستمِرَّة.

إنَّ دعوتنا للسلام تعني نبذنا استخدام القوة في حلِّ أيِّ نزاع، ويجب أن تُحَلَّ القضيَّة الفلسطينيَّة بتعاون المُجتمَع الدوليِّ، واحترام عشرات القرارات الدوليَّة بهذا الشأن، ونبذ سياسة فرض الأمر الواقع، ويجب أن يكون لحركتنا الصوت القويُّ المُؤثـِّر في حلِّ هذه القضيَّة بشكل نهائيٍّ، وفي جميع المحافل الدوليَّة، والمُؤتمَرات مُتعدِّدة الأطراف.

نُؤكِّد على أهمِّـيَّة استعادة حركتنا دورها المحوريَّ على الساحة الدوليَّة، وضرورة توحيد الجُهُود، والمواقف في مُختلِف القضايا التي تهمُّ دولنا على الساحة الدوليَّة عِبْرَ التنسيق على مُختلِف المُستويات بين وُفُود دولنا، وتوحيد خطاباتنا، وتغليب لغة العقل، والحوار، والسلم على لغة الخلافات، والوعيد، كما نتمنـَّى أن يكون اجتماعنا هذا ناجحاً، ونخرج منه بإعلان سياسيّ يُوحِّد جُهُودنا ضدَّ الأفكار الظلاميَّة التي تريد بالبشريَّة السوء، وأن يكون لنا دور فعَّال في نشر ثقافة السلام، وتغليبها على لغة العنف، وخطاب الكراهية، واستخدام القوة العسكريَّة لحلِّ جميع الخلافات الإقليميَّة والعالميَّة التي تُهدِّد السلم، والأمن الدوليَّين للأجيال القادمة.

ختاماً يطيب لي أن أؤكـِّد لكم أنَّ وفدنا إلى أعمال الجمعيَّة العامَّة سيعمل من كثب، وبالتعاضُد، والتعاون، والتنسيق مع باقي وُفُود دول الحركة؛ من أجل صياغة لغة مُتوازِنة في جميع القرارات التي ستصدر عن الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة في دورتها الحاليَّة؛ لتأكيد حُقُوق دولنا، والمُساهَمة في دعم المُجتمَعات الناشئة، وحماية حُقُوق الأقلـِّيَّات، والتركيز على خطط تحقيق أهداف التنمية المُستدامة 2030، كما لا يفوتني أن أرحِّب بجُهُود الرئاسة الدوريَّة للحركة في توحيد وجهات نظر الدول الأعضاء، والمُساهَمة مع باقي المجاميع الإقليميَّة الأخرى في وضع أسس التعامُل الدوليِّ المبنيِّ على اعتبار السيادة المُتساوية لجميع دول العالم، وتحقيق أسس مُشترَكة لضمان التعاون الدوليِّ، ومُحارَبة الفقر، والظلم، والجهل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

1


20:10  بغداد