كلمة وزير الخارجية في الحفل التأبيني لشهداء الوزارة

03.09.2018

كلمة وزير الخارجيَّة الدكتور إبراهيم الجعفريّ في الحفل التأبينيِّ السنويِّ لشهداء الوزارة ضحايا التفجير الإرهابي الذي استهدف الوزارة سنة 2009. وأقيم الحفل في مقر الوزارة يوم 2 ايلول 2018، بحضور وزير الدافاع السيد عرفان الحيالي ووزير الداخلية السيد قاسم الأعرجي وممثلو البعثات الدبلوماسية العربية والأجنبية في العراق:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعاً ورحمة وبركاته...

تحية عطرة عابقة بالحب أزديها لكم جميعاً بدءاً بأخوي العزيزين السيِّد وزير الدفاع (عرفان الحياليّ)، والسيِّد وزير الداخليَّة (قاسم الأعرجيّ)، والسادة الوكلاء، والسادة السفراء لتشريفكم لنا في مقرِّ وزارة الخارجيَّة.

أستهلُّ حديثي بذكر آية من القرآن الكريم: 

((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)) {العنكبوت/69}

تبقى قيمة الشهداء تتجاوز كلَّ القِيَم، ويبقى الشهيد رسول المبادئ، ورسول الإنسانيَّة.. وإذا تفاوت الشهداء في أعمارهم، وجنسيَّاتهم، وأجناسهم، فإنـَّهم لا يتفاوتون في قـُلـُوبهم، وما يكتنزون من قِيَم حقـَّة، وصدق في التعامل مع الله، وقد اختارهم دون غيرهم لهذا الموقع.

 تحيا الأمم بحياة الشهداء، وتتألـَّق على سُلـَّم المجد، وترتقي مادامت عجلة الدم، ومادام الشهداء يُمثـِّلون رصيداً قويّاً زاخراً مُتدفـِّقاً على طول الزمن.. الذي يجعل الشهداء يتشابهون في كلِّ شيء هو الصدق الذي ينبع من القلب، والذي يجعل منهم من نيَّف على التسعين، ومنهم من بدأ حياته صغيراً في هذا البلد، وذلك البلد إنـَّه القرب من الله.. لا نراه بأعيننا لكننا نتلمَّس آثاره، ونتائجه، ونتلمَّس كلَّ ما يترتـَّب عليه؛ لذا من يتحرَّى سيرة الشهداء، ويسأل أهلهم، وذويهم، وأبناءهم، وآباءهم سيصل إلى نتيجة أنَّ هؤلاء كانوا خير الناس، وأفضلهم بالتعامل معهم.. هذا هو الشهيد بشكل مُختصَر؛ لذا ما تحدَّد الشهيد في بلد.. الشهيد يتـَّسع لكلِّ الإنسانيَّة.. منذ سيِّد الشهداء الإمام الحسين -عليه السلام- قوافل الشهداء المُتعدِّدة هنا وهناك هم الذين منحوا أممهم، وشُعُوبهم معنى الحياة؛ لذا انتشرت، ونشرت الشهادة ظلـَّها.

الذين قُتِلوا من أجل مبادئهم كُثـُر، ولكن يضمُّهم الصدق، والإخلاص.. فكثير من دول العالم كادت تندثر لو لم ينبرِ بعض الذين أعاروا جماجمهم، وباعوا أنفسهم، وأرواحهم من أجلها، فمنحوا أممهم حياة، وعزّاً، وكرامة.. هذا هو معشر الشهداء.. لا أعرف ما الذي يجمع شهداء هنا، وشهداء في دول أخرى عربيَّة، وغير عربيّة كلهم اتجهوا قوافل نحو السماء يتفاوتون في الزمن.. كانت -على سبيل المثال- الثورات الست العالميّة المشهورة: (الثورة البريطانيَّة، والثورة الأميركيَّة، والثورة الفرنسيَّة، والثورة الروسيَّة، والثورة الصينيَّة، والثورة الإسلاميَّة في إيران) قد أعطت قوافل من الشهداء.

ما الذي يجمع هؤلاء؟

هل هي جنسيَّاتهم؟ هي مُختلِفة.

أزمانهم؟ هي مختلفة.

أعمارهم؟ هي مُختلِفة.

اختصاصاتهم؟ هي مُختلِفة.

أنا أزعم أن قلوبهم كانت مُتوحِّدة.. هذا هو الذي يستقرُّ في القلب، ولا نراه نحن البشر، لكنَّ الله -تبارك وتعالى- يراه.

أنا أعذر الذين لا يُؤمِنون بهذه القِيَم، ولا يُحِسُّون بمدى قربهم من الله؛ لأن الإيمان استقرَّ في قلوبهم.. أؤكّد، وأقطع أنَّ الشهيد في اللحظات التي يرتقي بروحه إلى السماء يكون في مُنتهى الإخلاص، والشجاعة يُقدِّم نفسه من أجل شعبه، وقِيَمِه، وفكره.

الدبلوماسيَّة أخوَّة، وصداقة مع دول العالم، وأخوَّة للبلد الذي تُمثـِّله.. الدبلوماسيَّة ليست عسكرة، ولا جوسسة، ولا حرتقة كلاميَّة.. يتحاور الدبلوماسيُّون إنـَّما ينبرون بكلِّ ثقة لحلِّ أيِّ مُشكِلة، أو مُعضِلة تعتري العلاقة؛ لذا شرف للدبلوماسيِّ عندما يخوض غمار الحوار يبدأ بمُشكِلة كبيرة لينتهي إلى حلٍّ، وإذا تعذّر عليه حلٌّ ما سرعان ما يتقدَّم بحلٍّ آخر.. أنا لا أفهم منظمات دوليَّة تُقاطِع شُعُوباً، وتُقاطِع دولاً، وتُقاطِع حكومات.

ماذا يعني أن تُقاطِع دولة؟

قاعدة الدولة هي الشعب.. ممَّا يعني أنّك قاطعت الشعب.. وقُلْتُها في الجامعة العربيَّة، وفي منظمة التعاون الإسلاميِّ، وفي الأمم المتحدة: أنا لا أفهم شيئاً اسمه (مقاطعة).. هذا عجز.. الذي يثق بنفسه يجب أن يأتي إلى مائدة الحوار، ويحترم الشعب.. الحكومات تتبدَّل، والحكام يتبدَّلون، لكنَّ الشعب يبقى ثابتاً على طول التاريخ.. الأمم، والشُعُوب تبقى حيَّة، وموجودة.

لا أعرف من أين جاءت خرافة: أنَّ الثورة تأكل أبناءها.. لماذا تأكل أبناءها؟ هل هي نار، فتحرق الأبناء، أم نور تُنِير الطريق أمام أبنائها؛ ليرتقوا، ويمضوا في طريق بناء البلد، ويتباروا، ويتسابقوا لبناء البلد:

((خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ))       {المطففين/26}

على أيِّ خرافة قامت هذه الحقيقة؟

هذا يعني أنَّ الثورة البلشفية أكلت تروتسكي.. لا، الحقيقة هي أنَّ خيانة ستالين أدَّت إلى قتل تروتسكي، ولا يعني منطق الثورة أنـَّك تقتل الآخرين، كما أنَّ الثورة التي حصلت، والقيادة التي حصلت في روما جعلت بروتس يقوم، وجعلت قيصر ضحيّة.. كلـُّها تعبير عن خيانات.

الثورة تعني أن تفكر بالتخلص من عدوِّك، أمَّا الدولة فعندما تكون رجل دولة عليك أن تنزع عقلك كمُعارِض، وتلبس عقل الحاكم.. خطابك يجب أن يكون خطاب قائد سياسيّ، وكذا نظريَّتك، وإحساسك.

خطاب الدولة غير خطاب المُعارَضة، وعقل الدولة بالتفكير غير عقل المُعارَضة.. لايزال البعض يجلسون على مقاعد الدولة والمسؤوليّة ويفكرون بعقل المُعارَضة.

ماذا يعني أن تفكر بعقل الدولة؟

إنَّ أبناء الشعب كلهم أبناؤك، وإنَّ بناتهم بناتك، وحتى الذين يختلفون يُفترَض برجل الدولة أن يتسع عقله لهم بالتفكير، وقلبه لهم بالمشاعر.. لا معنى لأن نتصدَّى لقيادة دولة، وننكفئ بشريحة دون أخرى، ونُخاصِم هذه الشريحة وتلك الشريحة.

هذه بصمة لمجموعة من الشهداء ما فرَّق أعداؤنا بين هؤلاء الذين دُرِجَت أسماؤهم أمامكم.. انظروا هم فيهم سُنـَّة، وشيعة، وفيهم عرب وأكراد، وفيهم مُسلِمون وغير مُسلِمين، وفيهم رجال ونساء..

أعداؤنا لا يُفرِّقون بيننا.. الشهداء كلـُّهم تقدَّموا قوافل بكلِّ شجاعة، وتواضع، فعرجت أرواحهم إلى السماء من أجل العراق؛ لذا عندما نذكرهم نذكر أنَّ الذين منحونا قيمة النصر، وقيمة الوحدة التي نعيشها هم هؤلاء..

دول العالم طلبنا منها، وفتحنا قلوبنا لها نبحث عن أصدقاء.. نحن نثق بدول العالم، ونتقبَّل منهم صداقتهم، لكنهم ليُبادِلونا أنَّهم يبحثون عن أصدقاء، ولا يبحثون عن عملاء.

نقبلهم أصدقاء، ونتمنى عليهم أن يتعاملوا معنا كأصدقاء ليس عملاء.. نحترم الصداقة، ونحترم دول الجوار.

دول الجوار العراقيّ مُتعدِّدة: تركيا، وإيران، وسورية، والسعوديَّة، والأردن، والكويت.

لم تأتِ بقرار منّا لتجاورنا، وإنَّما هي حقائق جغرافيَّة -والحقائق الجغرافيَّة لا تُبدِّل من نفسها شيئاً- تبقى حقائق جغرافيَّة شئنا أم أبينا، وليس لنا إلا أن نمدَّ العلاقة معهم بكلِّ احترام، وتقدير، ووقفت دول الجوار الجغرافيِّ معنا في أصعب الظروف، وساعدتنا.

كنا أيَّام المُعارَضة في المهجر، وضاقت بنا الدنيا بما رحبت، واتَّسعت لنا بعض الدول، ومنها: إيران، وسوريا، وبعض الدول الأخرى، وفتحت أبوابها، وقلوبها، واستقبلت العراقيِّين..

لا ينبغي أن تغيب هذه الصورة عن بالنا.. الذي لا يفي للقريب لا يفي للبعيد، والذي لا يُؤتمَن على صداقته مع هؤلاء لا يُؤتمَن على صداقته مع الآخرين.

يُوجَد بعض زعماء العالم تصدَّوا بشكل مُرتجَل، وفي غفلة من الزمن لا يقرأون التاريخ، حتى تاريخهم.. هذا العالم عابق اليوم بقِيَم إنسانيَّة، يجب أن نمدَّ العلاقات مع شُعُوب العالم كافة عِبْرَ حُكوماتها.

كلُّ أمم العالم لديهم شهداء، ومُناضِلون.. فرنسا قدَّمت جان دارك 1429، وأميركا قدَّمت مارتن لوثر كنغ 1968، وبريطانيا قدَّمت..

كلَّ هذه الدول ترتوي من حقائق واحدة، وقِيَم واحدة، وتتوق، وتتطلع لتحقيق العدالة الإنسانيَّة.. سجلُّ الديمقراطيَّة في العالم عِبْرَ مجموعة من المحطات كانت دامية فرزت بها دُمُوع، وعَرَق، وحِبر، ودم إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه.

يُريدون أن يُقسِّموا العالم بطريقة جديدة.. العالم قوته تكمن في احترامه لحقوق الإنسان.. هذه لا تأتي في آليَّات شكليَّة فقط، بل قالت الأمم المتحدة، وتكلـَّمت منظمة عدم الانحياز، وقال مجلس الأمن، وما شاكل ذلك تأتي عِبْرَ ثقافة حقيقيَّة تتجذر في نُفُوس المسؤولين، وتستمدّ من قِيَم الشُعُوب.

أنا أعرف قيمة الدعم الذي امتدَّ لنا من الدول الصديقة جميعاً، وكيف وقفت إلى جانبنا، وأسندتنا في الظروف الصعبة التي مرَّ بها.

ثبت أنَّ العراق انتصر عندما اعتمد على قوته، وعلى الله، وعلى نفسه، وعلى الدول الصديقة والشقيقة.

عصابات داعش كانت إلى الأمس القريب رابضة على صُدُور محافظات مُهمَّة: الأنبار، وصلاح الدين، والموصل، واستطاع العراقـيُّون بفضل شُجعانهم، وأبطالهم أن يجعلوها جزءاً من التاريخ، وقد عجزت عن مُواجَهتهم الكثير من الدول.

والله لو كانت أمواج المجرمين من هؤلاء قد انتصروا في العراق فما بالكم كيف كانت صورة العراق بهذه الثروات الطائلة، وبنفطه، وحضارته، وتاريخه، وتنوُّع مُجتمَعه دينيّاً، ومذهبيّاً، وقوميّاً، وسياسيّاً.

لتحوَّل العراق إلى بركان يتفجَّر في كلِّ منطقة من مناطقهم؛ إذن انتصار العراق على داعش هو انتصار لكلِّ هذه البلدان.. ففي الوقت الذي أوجِّه شكري، وتقديري، واعتزازي بالدول التي وقفت إلى جانبنا سواء أمدَّتنا بالمُساعَدات.

نحن قلنا لهم بكلِّ صراحة: نحتاج مُساعَداتكم، وإسنادكم باستثناء إدارة العمليَّة العسكريَّة على الأرض العراقـيَّة التي هي عراقية محضة، فكانت ماكنة المُواجَهة بالعراق بدماء عراقـيَّة، لكنَّ دول العالم مدّت أيديها بالمُساعَدات، ووقفت إلى جانبنا، وصوَّتت لنا في 17 موقعاً بالأمم المتحدة.

هذا تصويت عالميّ للعراق الجديد لم يحصل على مثله في تاريخه العراق، سواء كان في عصبة الأمم، أم في هيئة الأمم.. استطاع العراق أن يصل إليه، والعالم تعاطف، بل أنا لم أقرأ في تاريخ العالم، وتاريخ الحُرُوب اصطفافاً في حرب يقف العالم كلـُّه مع بلد واحد فقط إلا هذه المعركة... المعارك، والحُرُوب تنقسم بها مُعسكَرات المعركة الوحيدة ضدّ الإرهاب، أمَّا في العراق فقد وقف العالم كلـُّه معه، وحقق هذا النصر؛ لذا هو انتصار لكلِّ هؤلاء.

مرة أخرى أحيِّي كلَّ هذه الدول التي وقفت، وأحيِّي سفاراتكم، وسفراءكم، وأرجو ممَّن انتهت مُدَّة مسؤوليَّته أن لا تنتهي معها صداقته للعراق.

مُدَّة المسؤوليَّة قد تبدأ في وقت، وتنتهي في وقت آخر، أمَّا مُدَّة الصداقة فتعلم متى بدأت، لكنك لا يُمكِن أن تُؤرِّخ متى تنتهي.. ورثنا علاقات طيِّبة مع بعض زملائكم الذين كانوا يأتون هنا..

نحن نذكرهم بكلِّ احترام، وتقدير، وسنبقى نذكرهم بكلِّ احترام وتقدير أيّاً كانت جنسياتهم..

من الوفاء أن يقف العراق -أيضاً- إلى جانبهم.. في هذا التاريخ 19/8 حدث التفجير، وفي تاريخ 19/8 -أيضاً- فقدنا عزيزاً علينا، وهو: سيرجيو ديميلو مُمثـِّل الأمين العام للأمم المتحدة.. كان صديق لي يتردَّد إلى البيت، وكان من المتفق بيني وبينه أن أراه في نفس هذا التاريخ، عندما أبلغني أحد وزراء خارجيَّة أنه يريد أن يراني، قلتُ له: أهلاً وسهلاً، ثم صادف أن أسافر، وفرح كثيراً أن أجَّلت اللقاء إلى يومين، أو ثلاثة وأنا في الإمارات تحديداً، وسمعتُ بالتفجير، وسمعتُ بوفاته هناك.

سيرجيو ديميلو وقف موقفاً مُشرِّفاً، وأسند العراق، ولا يُمكِن أن أنساه أبداً.. سأبقى أذكره في أكثر الخطابات، كما ذكرته سابقاً.. سيرجيو ديميلو أدَّى دوراً في تشكيل الحكومة العراقـيَّة الأولى، واستطاع أن يتعاون معنا، وأن يُثبت مواقف مُشرِّفة عندما أصرَّ الحاكم المدنيّ على أن يعمل مكتباً تنفيذيّاً، أو سلطة تنفيذيَّة –وقلت لهم أنا لا أؤمن بالمكتب التنفيذيّ، ولا بالسلطة التنفيذيَّة- أريد حكومة تقوم على دستور، وتُقدِّم برنامجاً، وتُدير البلد، واستعنتُ بسيرجيو ديميلو، وعمل جهده، وفعلاً صدر قرار بتشكيل مجلس الحكم، وبعد ذلك جاءت المهمات بكتابة الدستور، وتشكيل الحكومة، وشاء القدر أن أكون أوَّل رئيس مجلس حكم، وفي تلك الفترة القصيرة شكَّلتُ الحكومة الأولى، وكُتِبَت مادَّة الدستور الأولى، وزُرتُ سبع دول في سبعة أيَّام..

تحياتي لسيرجيو ديميلو.. أحيِّي موقفه، وأتشرَّف بأنَّ الرجل كان مُخلِصاً، وكان إنسانيّاً، واستطاع أن يرتقي إلى حجم الأمم المتحدة..

لايزال التحدِّي الإرهابيّ موجوداً اليوم في أكثر من بلد.. ومن الخطأ أن نعتقد أنه اختفى -اختفى صحيح في بلد ما- لكن سرعان ما يظهر في بلدان أخرى.

سِرُّ الانتصار -كما برهن العراقـيُّون- هو وحدة الشعب العراقيِّ، ووحدة الخطاب السياسيِّ.. أنا لا أدَّعي أنَّه لا تُوجَد خلافات عند العراقـيِّين، بل أثبتُ أنه تُوجَد خلافات عند العراقيِّين، لكنَّ الخلافات لا تُسوِّغ التقاطع، الخلافات تُسوِّغ التحاور.

ماذا يعني أن تُحاوِر الآخر؟

لأنَّ الآخر لديه ثقافة غير ثقافتك، وعقليّة بالتفكير قد تختلف عنك.. نحن لا نخشى الخلاف، بل نُروِّج الحوار عِبْرَ وُجُود الاختلافات، ولكن أن يتحوَّل الاختلاف إلى احتراب، إلى استهلاك، إلى ثرثرة فهذا نرفضه..

نحن على وشك أن تبدأ دورة جديدة لحكومة جديدة أتمنى لها كلَّ المُوفـَّقيَّة.. أنا لم أشارك في الترشيح للانتخابات، لكني ما قاطعتُ الانتخابات، وذهبت، وصوَّتت، وشجَّعت عليها، وصبغت ثلاثة أصابع في التلفزيون إمعاناً، وتمسُّكاً بأصل العمليَّة الانتخابيَّة رغم ما لديَّ على العمليَّة من مُلاحَظات ثبتتُ، والمُواطِن العراقيّ العزيز رآها.

وزارة الخارجيَّة قدَّمت في الفترة التي مضت، وبذلت أقصى الجُهُود؛ من أجل ترويج العلاقات الطيِّبة مع دول العالم، ولم نستثنِ دولة.

كل دول العالم أمَّها العراق، وأمَّت العراق.. قصدها العراق، وقصدت العراق؛ لذلك جاءت هذه الحصيلة المُمتازة من المُشارَكة في الأمم المتحدة، والمُشارَكة في المُؤتمَرات.

أنا أقدِّر عالي التقدير وزراء الخارجيَّة لدول العالم كافة، وموقفهم المُشرِّف من العراق..

ما تمَّ إنجازه ما كان من السهل أن يُنجَز لولا تعاون العاملين في وزارة الخارجيَّة بدءاً بالوكلاء مُرُوراً بالمُديرين العامِّين، وانتهاءً بأبنائي وبناتي الموظفين كافة.. هؤلاء سواء كانوا في مركز الوزارة، أم في البعثات ساهموا في هذا الإنجاز، وكلهم ساهموا في هذا النجاح أحيِّيهم عِبْرَ هذه المِنصَّة، وأتمنى لهم المُوفـَّقيَّة، وأعبِّر برسالتي هذه أن يمضوا على هذا الطريق.. العراق عراقهم في الداخل، وفي البعثات، وفي الوقت نفسه رصيد العراق المُتنامي مع دول الجوار الجغرافيِّ، والدول الأخرى يعود على العراق بالخير.. هكذا كان العراق في التاريخ، ولا يكفي أن نثني على التاريخ، ونثني على الموقف العراقيِّ، بل ينبغي أن نعكسه على واقعنا الحاليِّ.. ما كنتُ أتصوَّر أنني في البداية سأتصدَّى لوزارة الخارجيَّة، وعندما اقتنعتُ في اللحظات الأخيرة كنتُ أتصوَّر أن أبقى فيها سنة، وأفاجئ الآخرين بالاعتذار، لكني لمستُ أنه تُوجَد مصلحة أن أتواصل، فقرَّرت في داخلي أن أبقى سنتين، وتعدَّت السنة الثالثة، وأنا الآن أنيِّف على السنة الرابعة، وتكاد تنتهي.

تمنياتي لكلِّ إخواني، وزملائي الأعزاء الوزراء في كلِّ وزاراتهم أن يُواصِلوا جُهدهم، ويُضاعفوا ما لديهم من قدرات، وقابليَّات؛ لبناء العراق، وإبراز الصورة الحضاريَّة الجيِّدة.

لا يفوتني أن أشيد، وأرحِّب بموقف المرجعيَّة الدينيَّة، إذ وقفت –لعلَّ العالم كله شهد موقف المرجعيَّة في الأزمات، وكيف ساهمت في رصِّ الصفِّ، وكيف وحَّدت الخطاب، وعكست صورة رائعة عن الإسلام.. صورة أنَّ الدين هو الثقة، والمَحبَّة، واحترام حُقوق الإنسان..مثـَّلت المرجعيَّة المُعاصِرة واقعاً من التماسك، والالتحام.

 كما أوجِّه شكري، واعتزازي للحكومة الحاليَّة، وللوزراء، ولكلِّ من بذل جهده لإنجاح العمليَّة السياسيَّة.

مرَّة أخرى أجدِّد فائق شكري، ووافر تقديري لكم لتشريفنا..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

 

 

وإلى حضراتكم كلمة مساعد الأمين العام للأمم المتحدة في العراق خلال الحفل التأبينيّ

معالي الوزراء الحُضُور الكرام مع حفظ الألقاب نجتمع هنا اليوم؛ لنستذكر أكثر الصفحات ظلاماً في تاريخ المُواجَهة بالعراق قبل تسع سنوات، وتحديداً في يوم التاسع عشر من آب هزَّت بغداد هَجَمات بسيارات مُفخَّخة ثلاثة، وعِدَّة هَجَمات بقنابل هاون مُستهدِفة مبنى وزارة الخارجيَّة العراقـيَّة، ومبنى وزارة الماليَّة، ومناطق أخرى في العاصمة، وأدَّت هذه الهجمات إلى قتل أكثر من 101 من الأشخاص، وجرح 565 آخرين.

إذا كان هدف الإرهابيِّين الذين خطـَّطوا، ونفـَّذوا لزعزعة الحكومة التي تسلـَّمت مهامَّها للتوِّ؛ لحفظ الأمن في البلاد فلم تكن صدفة أنَّ تاريخ هذه الهجمات الشنيعة بعد ست سنوات من الهجمة التي استهدفت مقرَّ الأمم المتحدة في بغداد، وقتلت 22 موظفاً بضمنهم المُمثـِّل الخاصّ للأمين العامِّ للأمم المتحدة الراحل سيرجيو ديميلو، وجرح أكثر من 100 شخص، فكانت رسالة تلك الهجمات واضحة، وهي: على كلِّ من يهدف إلى سلام، وازدهار العراق أن يخاف على حياته.

أنا واثق بوُجُود موظفين شهدوا الهجمة الشنيعة على مبنى الوزارة واقفين بيننا، وماتزالون يقفون بصرف النظر عن الهجمات، والمصائب التي حلـَّت على العراق، ومايزالون مُلتزمين بأداء واجبهم لبناء مستقبل زاخر للعراق، وأثني عليهم من صميم قلبي، وعلى شجاعتهم.. فليس من شهد الهجمات في البداية يستحقُّ الثناء فحسب، بل الجيل الجديد من موظفي الخدمة المدنيَّة الذين التحقوا بصفوف الحكومة العراقـيَّة، والذين يتعبون من أجل تحسين حياة المُواطِن العراقيِّ، وضمان احترام حقوقه، وتلبية احتياجاته.. فهذه المَهمَّة ليست مَهمَّة يسيرة.. فإذا ما علمنا التاريخ شيئاً فإنَّ طريق التقدُّم ليس مُباشِراً سلساً حتى وإن كان الهدف نصب أعيننا، فيُمكِننا أن نحيد عنه في الأزمات بهذه الأحيان نفقد الأمل لوهلة، ونستسلم، لكنَّ المُهمَّ أن لا تكون لدينا أفكار جديدة وحسب، بل أن نعتمد على تأنـِّي موظفي الخدمة المدنيَّة، والمدنيِّين الذين يعيشون حياتهم اليوميَّة مُلتزمين بالقانون، والتقاليد، والمُمارَسات بحكم مُجتمَع مُتحضِّر في الأمم المتحدة.

نحن مُمتنون للدعم المُتواصِل من قِبَل وزارة الخارجيَّة، والذي طالما حفـَّزنا، وجعلنا نخطو مع العراقيين في هذه الرحلة.. وكنتيجة للعمل المُشترَك يُمكِننا القول الآن: وبعد 9 سنوات من الأزمات الشنيعة، وأزمات الإرهاب المُتعاقِبة أصبح العراق أكثر أمناً، وأخذ مكانته الصحيحة في المُجتمَع الأمميِّ.

في الوقت الذي نُثمِّن فيه هذا التقدُّم نستذكر تضحيات الذين فقدوا أرواحهم في عام 2009، وليخلدوا بسلام آمنين.

شكراً جزيلاً لكم..

 


07:16  بغداد