كلمة وزير الخارجية في حفل افتتاح المكتب القنصلي بمدينة النجف الاشرف

16.01.2018

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته

 قال الله -تبارك تعالى- في محكم كتابه العزيز:

((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)) العنكبوت/69..

في هذه المدينة المُبارَكة النجف الأشرف التي اقترن اسمها بمرقد حضرة سيِّد الوصيِّين، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب -صلوات الله وسلامه عليه- حيث رفع لواء العلم، والمعرفة، والعدالة، والأخلاق.. وكلّ القِيَم من شأنها أن تـُعطي إيحاءات مُتعدِّدة ترفد مسيرة البشريَّة على أكثر من صعيد.

مع كامل احترامنا لكلِّ الذين ذُكِرَت أسماؤهم سواء كان وليام شكسبير، أم كثير من أعمدة التاريخ الذين عُرِفوا بفكرهم، وحضارتهم، وتاريخهم لكنهم هم الذين طأطأوا رؤوسهم احتراماً، وتقديراً لشخصيَّة علي بن أبي طالب -عليه السلام- ما مدَّ يده على شيء إلا وتربَّع على عرش ذلك الاختصاص في كلِّ مجال من مجالات الحياة المُتعدِّدة، فيكفي شرفا لهذه المدينة المُبارَكة أنـَّها تقترن بمرقد، وتحتضن مرقد أمير المؤمنين -سلام الله عليه-؛ ليس فقط أنـَّها احتضنت مرقد أمير المؤمنين، بل اقترنت كذلك بأنـَّها حاضنة العلم، والمعرفة، والشعر، والفلسفة، والأدب، والكثير من موارد المعرفة استوعبتها، واحتضنتها.. ولعلَّ الحوزة العلميَّة أحد نتاجات هذه المدينة منذ أمد بعيد رُبَّما قاربت الألف سنة.. فمدينة كمدينة النجف الأشرف لها مثل هذه السعة، وهذه الامتدادات، وهذه العراقة التاريخيَّة، وهذه النتاجات المُتعدِّدة خرَّجت جهابذة، وأساطين في العلم، والمعرفة في أصول الفقه، والشعر، والأدب جديرة أن تحظى بالاهتمام المطلوب.. إنـَّها مدينة شامخة تستحقُّ كلَّ الاحترام والتقدير.

عملت وزارة الخارجيَّة العراقـيَّة منذ فترة، ووضعت فلسفتها في العمل الدبلوماسيِّ تقوم على أساس الاتساع، واحتضان كلِّ القابليَّات، وإحداث حالة من التفاعل، والتعاطي البشريِّ الديموغرافيِّ المُتعدِّد.. فمدينة النجف -أيضاً- منطقة تقترب من بقـيَّة المحافظات التي تـُشكّل بمجموعها الفرات الأوسط، وهذه المُدُن، وهذه المحافظات لها زخم خاصّ وهي بعيدة نسبيّاً عن بغداد، فعكفت الوزارة عن تذليل العقبات أمامهم؛ واحتراماً لرغبة المواطنين جاءت طلبات كثيرة لتخفيف عبء المسؤوليَّة، وعناء السفر إلى بغداد لأمور القنصليَّة، والأمور المطلوبة الأخرى فبذلت جهداً استثنائيّاً لفتح القنصليَّة في النجف الأشرف، وكذا كان الأمر؛ لذا نحثّ القنصليّة على أن تعمل كلَّ ما بإمكانها؛ لتذليل العقبات أمام المواطنين، وتوفير أفضل السُبُل لتصديق الوثائق المطلوبة؛ حتى يُخفـِّفوا العبء عن كاهل إخواننا في بغداد.

سمة الدخول اليوم ازدادت عمّا كانت عليه سابقاً رُبَّما كانت في السابق بضع مئات الآلاف أمّا الآن فحوالى ثلاثة ملايين سمة دخول سنويّاً، فهناك زخم، وإقبال شديد على "الفيزا"، ومن دون شك يجب أن نـُقوِّي آليَّاتنا في الوزارة، ونـُواكِب حركة احتياج المواطنين في كلِّ منطقة من المناطق؛ لذا تحرَّكنا في الخارج، وتحرَّكنا في الداخل لفتح القنصليّات، وتشجيع الدول على فتح قنصليَّاتها بأكبر عدد مُمكِن إلى جانب ذلك الخارجيَّة لم تقتصر في حركتها على توفير الأداء القنصليِّ، وإنـَّما تحرَّكت كذلك على مُستوى تطوير النظريَّة السياسيَّة، والدبلوماسيَّة لها، وقامت على أسس مُعيَّنة؛ لمواكبة احتياجات العراق، وإسماع العالم صوت العراق الذي كان مغموراً إلى الأمس القريب، وكانت داعش بمقدار ما اخترقت الواقع العراقيَّ في الداخل اخترقت الإعلام العربيَّ، والإقليميَّ، وحاولت أن تـُشوِّه صورة العراق، وتـُشعِر العالم بأنَّ العراق أصبح حمّام دم، وأنَّ هناك خلافات، وصراعات، واقتتالاً.. مرةّ بادِّعاء وُجُود خلافات طائفيَّة سنية-شيعية، وأخرى بعنوان قوميّة عربيَّة-كرديَّة، وثالثة بعنوان دين إسلاميّة وغير إسلاميّة، ووجدت الخارجيَّة نفسها أمام مسؤوليَّة تجلية الوجه المُشرِق عن التجربة السياسيَّة العراقـيَّة الجديدة؛ لذا حملت هذا الهمَّ، وصدحت بصوتها في كلِّ أروقة العالم في كلِّ المُؤتمَرات الدوليَّة الإقليميَّة صدحت بصوتها، وأوضحت للعالم بما فيه الكفاية عمَّا يجري في العراق، وأنـَّه لا يُوجَد اقتتال عراقيّ-عراقيّ، وإنـَّما هو قتال عراقيّ ضدّ داعش.. قتال من جانب يُمثل العراقـيَّين كلـَّهم ضدّ داعش، ولا يُوجَد شيء آخر، وقد أوجزت هذه الخطابات بالقرائن، وعزَّزت بالوثائق المُصوَّرة..

كنا ننتقل من رواق دوليّ إلى رواق دوليّ آخر في جامعة الدول العربيَّة، ومنظمة التعاون الإسلاميِّ، ومنظمة دول عدم الانحياز، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وفي كلِّ مكان كنا نتحدَّث بكلِّ صراحة، وبكلِّ صدق عن حقيقة ما يجري في العراق.

لا شكّ كانت هناك حملة شعواء ضدّ القوات المسلحة وتحديداً ضدّ أبنائنا الأبطال أبناء الحشد الشعبيّ؛ ممَّا جعلنا أمام مسؤوليَّة استثنائيَّة لتجلية الوجه المُشرِق للحشد الشعبيِّ، وكان غيرنا يُوجِّه الاتهامات للحشد الشعبيِّ بأنـَّه إفراز أجنبيّ، وليس عراقيّاً، وكانوا يُوجِّهون الاتهام بأنَّ الحشد الشعبيَّ حشد طائفيّ، ويُوجِّهون الاتهام بأنَّ الحشد الشعبيَّ يُمارس أعمالاً ذات طابع وحشيّ غير مُنضبط؛ كان على الخارجيَّة مسؤوليَّة استثنائيَّة لتبديد هذه الاتهامات، وتسفيهها، وإشعارهم بالوثائق عبر هذه المُؤتمَرات، وبشكل مُتكرِّر حتى أصبح اليوم إجماع هذه الدول بأن تذكر الحشد الشعبيَّ بكلِّ احترام، وكلّ تقدير، ولم يعُد الحشد الشعبيّ كما كان سابقاً يتصوَّرونه في ذاكرتهم بأنـَّه جهة طائفيَّة ذات طابع وحشيّ.

نقلنا لهم بالصور بما فيه الكفاية بأنَّ الحشد الشعبيَّ يتمتع بأعلى درجات الحسِّ الإنسانيِّ، والحرص على سلامة المواطنين، بل العكس من ذلك أنَّ النازحين كلفوا القوات المسلحة جُهداً إضافيّاً، وأقصد بالقوات المسلحة العراقية الجيش، والشرطة، والبيشمركة، والحشد الشعبي، وقوات مكافحة الإرهاب.

كلّ القوة التي عملت تحت لواء قوات المسلحة العراقـيَّة عملت بجُهُود، وتوافرت جُهُودها لتحقيق النصر الذي عشنا أيَّامه قبل أيّام قليلة؛ فهذا جاء بفضل مُبادَرة المرجعيَّة في الإفتاء بالجهاد الكفائيِّ، وبفضل الكتل السياسيَّة المُختلِفة التي وجَّهت خطابها مُتوحِّدةً بالتركيز على ضرورة بمُواجَهة داعش، وتحرير المحافظات التي وقعت ضحيَّة لداعش، وعبّرت القوة العسكريَّة المختلفة عن أنـَّها قرَّرت أن تتوحَّد، وتـُوحِّد وجهتها قبل أن تـُوحِّد توجُّهاتها العسكريَّة وجهتها جميعاً لتحرير العراق، وقد نجحت بذلك.

نزعم أنَّ تجربة الحشد الشعبيِّ هي تجربة القوة المسلحة العراقـيَّة في مُواجَهة داعش يحتاجها العالم.

داعش ليست عراقـيَّة المنشأ، ولا شرق أوسطيَّة المنشأ.. داعش صناعة دوليّة تتخذ من العالم كلـِّه ساحة، وتتخذ من الإنسان هدفاً لها، وهي لا تستثني أحداً بالقتل، تستهدف كلَّ الناس؛ لذا كانت حرباً عالميَّة بامتياز.. الحرب العالميّة الأولى، والثانية قد لا يكون التعبير دقيقاً في تسميتهما "عالميّة"، فدول المحور ودول التحالف في الحرب الأولى، والحرب الثانية ألمانيا، وإيطاليا مقابل الدول الأخرى بريطانيا، وفرنسا، وأميركا التحقت بهم، لكن في العمق هاتان الحربان ليستا عالميَّين.

الحرب الأخيرة ضدّ داعش حرب عالميَّة بامتياز... هذه حرب عالميَّة حقيقـيَّة انتشرت في كلِّ العالم، وكانت عناصر داعش قد جاؤوا من أكثر من مائة وأربعة وعشرين دولة قاتلوا العراق.

هذه الحرب لم تبدأ بالعراق، ولم تنتهِ بالعراق؛ لذا نستطيع أن نـُؤرِّخ بدايتها ونهايتها  في العراق، لكننا لا نستطيع أن نـُؤرِّخ نهايتها في كلِّ العالم ما لم أن تتكاثف جُهُودنا جميعاً، ونعتبر وُجُود داعش في أيِّ بلد مدعاة لأن تتكثف جُهُودنا جميعاً.. لنقف مع البلد الذي ضربه داعش حتى ننتصر.

لم تكن التجربة في العراق سهلة.. في عام 2014 تحديداً في شهر التاسع أيلول/سبتمبر كان لي خطاب في مجلس الأمن، وفي وقتها دعوتُ العالم لأن يقف إلى جانب العراق بشُرُوط عراقـيَّة، ومنها أن لا يتجاوزوا الدستور، ولا يمسّوا السيادة، ولا يعملوا إلا بالقانون، ولا نـُريد منهم بناء قواعد، وإرسال جُيُوش، وتتواجد مجاميع عسكريَّة؛ لذا ما طارت طائرة، ولا تحرَّكت أيّ قطعة في العراق، أو تأتي إلى العراق إلا بإذن عراقيٍّ.

نحن الآن في 2018 عام النصر، وقبله في 2017 حقق العراقـيُّون ما تفاجأ به العالم، في وقت انحنت كثير من الدول أمام إرادة الشرِّ الداعشيَّة، لكنَّ العراقـيِّين دحروهم -الحمد لله-..

الفضل لله -تبارك وتعالى- أوّلاً، وأخيراً، ولتضافر جُهُود الأبطال العراقـيِّين.. أنا أعدُّ تجربة العراقـيِّين في مُواجَهة داعش فريدة، وجديرة بأن تـُدرَس في المعاهد العسكريَّة، وتـُعمَّم على البلدان التي تتهدَّدها حُشُود داعش.

التجربة العراقـيَّة فريدة، ولا يُمكِن أن أنسى الأخلاقـيَّة العالية جدّاً التي أبداها أبناء القوات العسكريَّة العراقـيَّة في مُواجَهة داعش، وكيف كانوا يصرون على أن يتجنـَّبوا القتل العشوائيّ؛ وهذا كلـَّفنا دماءً إضافـيَّة، وأموالاً إضافـيَّة، ووقتاً إضافيّاً كان مُمكِناً أن نختزل الدم، والمال، والوقت لو كنا تساهلنا بقضيَّة الدماء.

هذه التجربة رائدة، وجديرة بالتمحيص، والتأمّل.. تفاجأوا عندما جاء أبناء المحافظات بإرادتهم إلى الفلوجة، وصلاح الدين، والموصل محافظات الضحيَّة، وتحرَّكت محافظات التضيحة جاؤوا من البصرة، والعمارة، والناصرية، والسماوة، والديوانيّة، والحلة، وكربلاء، والنجف، والكوت، ومن كردستان، وكذا المحافظات الغربيَّة، كلـُّها تجمَّعت؛ لتجلجل بسلاحها، وصوتها، وتـُقدِّم أرواحها على الأكفّ من أجل إنقاذ هذه المحافظات.

لقد نصروا الله، والله -تبارك وتعالى- نصرهم.. كلّ عراقيّ يعتز، ويتشرَّف بهذا الإنجاز التاريخيِّ الرائع الذي حققه أبناء قواتنا المسلحة.. العالم كلـُّه ينظر باحترام.. وأنا أتابع حُضُورنا في المنظمات الدوليَّة على أيِّ مُستوى من المُستويات الإقليميَّة، والدوليَّة أجدهم ينظرون إلى الخطاب العراقيِّ بأنـَّه خطاب ذي مصداقـيَّة، وأنَّ الخطيب الذي يتحدَّث يقف على أرض أثبت الواقع العراقيّ أنـَّه حقق إنجازات.

أوَّل شهيد بالحشد الشعبيّ كان من إخواننا أبناء السنة، فسرعان ما توقفت التخرصات، وخمدت، ولم تجد مصداقـيَّة لهذه الكلام.

قضيَّة الاستفتاء في منطقة كردستان.. رفضنا الاستفتاء، وأخذتُ الدستور معي إلى جامعة الدول العربيَّة، وفي مجلس الأمن، وأشرتُ إلى المادَّة الأولى من الدستور العراقيِّ، وقرأتُ نصّاً بأنَّ العراق دولة ذات سيادة لها دستور، ولا تسمح بتجزئة العراق.

وأنا شاكر لجامعة الدول العربيَّة إذ اتخذت قرارها بالإجماع، وقالت نعتبره خلافاً للدستور، وخلافاً للقانون، والأمر نفسه في منظمة التعاون الإسلامي، وكذا الأمم المتحدة، ومجلس الأمن.

بحسب اطلاعي على تاريخ الحروب لم أجد دول العالم وقفت مُجتمِعة مع دولة كما وقفت مع العراق؛ لأنـَّه تعامل بمصداقـيَّة، وتعامل بصدق، وإنسانيَّة مع المُفرَدات.

العراق أسمع العالم جميعاً أنَّ إرادة داعش يُمكِن أن تـُكسَر، وأشكر كلَّ دول العالم التي وقفت إلى جانبنا، ومدَّت يدها إلينا.

من بعض مظاهر الإسناد من قبل دول العالم هو الانفتاح الذي حصل الكثير من دول العالم التي فتحت قنصليّات، وسفارات في العراق في وقت كان يمرّ العراق في ظرف صعب، بل عصيب، ولم يكن سهلاً..

بالمناسبة نحن نجمع أصواتاً في الأمم المتحدة للتصويت لصالح العراق، وجاء الردّ من 17 منظمة أمميَّة لصالح العراق وبنفس الوقت نطالبهم بالدعم المالي.. وبعض الدول تشتري أصوات دول أخرى بينما نحن نريد الأموال، والتصويت؛ لأنَّ مطالبنا مشروعة، ولأنَّ شعبنا وحَّد كلمته، ولأنَّ خطابنا السياسيَّ كان مُوحَّداً، وهذا درس لنا ولغيرنا..

حيثما تكن الوحدة تكن مُستلزَمات القوَّة إلى جانبها؛ مثلما حصل في ميدان المُواجَهة العسكريّة تكون في مجال المُواجَهة السياسيَّة، وفي مجال بناء التجرية العراقـيَّة الجديدة.

كلـُّنا معنيون اليوم، وغداً ببناء العراق الجديد، الموسم القادم سيكون موسماً انتخابيّاً.. بعض الذين يتحرَّقون ألماً على التجرية رُبَّما يُساورهم قدر من قلق بأن تعصف أجواء الانتخابات حالة من التقاطعات الحادَّة، واستقبال الخلافات الطبيعيَّة في مُكوِّنات كلِّ مُجتمَع.

نحن ورثنا مُجتمَعاً من آبائنا، وأجدادنا مُتعدِّدي التكوين، عندنا سُنـَّة، وشيعة، وعرب، وأكراد.. ليس بيد العربي أنـَّه عربيّ، ولا بيد الكرديّ أنـَّه كرديّ.. خلقنا الله هكذا، ثم إنَّ قيمنا غير عاجزة عن أن تـُقدِّم لنا نظريَّة التعاون من موقع الاختلاف.

أحيِّي المرجعيَّة الدينيَّة التي وقفت موقفاً مُشرِّفاً في الظروف الصعبة، وأخمدت الكثير من النيران التي كادت تستعر، ولم تـُميِّز، ولا كرَّست، ولا قبلت بالخطب، والخطباء الطائفيِّين؛ وهذا الذي حفظ العراق، وصان العراق نظراً لما تتمتع به من مكانة جيِّدة في نفوس العراقـيِّين.

بقي علينا أن نواصل هذه المسيرة، وعلينا أن نـُسمِع العالم بأنَّ العراق مُتعافٍ من هذه الأمراض رغم الظروف الصعبة التي مرَّ بها.. تعرفون أنه في الوقت الذي كنا نواجه داعش كانت هناك أزمة اقتصاديّة، وأزمات أخرى، وفساد، وكثير من القضايا؛ ومع ذلك أصرّ الشعب على أن يُواصِل طريقه في البناء، وسيصل حتى إذا أخذ بعض الوقت؛ لذا رغم الأزمة الاقتصاديَّة، ورغم الخلافات السياسيَّة، ووُجُود داعش على الأرض صنع الشعب العراقيّ نجاحه، وانتصاراته بشكل رائع، ونال إعجاب العالم.

كلّ دولة من دول العالم التي أزورها يُقِرُّون بذلك.. العراق اليوم خطابه مسموع، ومُحترَم لأنَّ لديه مصداقـيَّة، ولأنـَّه لا يكذب، ولا يُنافِق، ولا يقول كلاماً عكس الواقع.. بعض الأحيان أستعين بالصور، أو الفيديوات لأسمعهم صوت حسين كفاح الشاب من أهل الديوانية الذي غامر بحياته، ونال شرف الشهادة عندما ذهب إلى الموصل مُصِرّاً على أن يُوصِل الدواء إلى سبع عوائل، وقال: سأُقتـَل، ولكن أريد أن تبقوا أحياءً، وفعلاً قـُتِلَ، علماً أنَّ حسين كفاح كان قد مرَّ على زواجه 10 أيَّام فقط.

هذه التجارب يجب أن تـُدرَس.. لا نستحي من حاضرنا، ولا من تاريخنا، أنا مع أن نذكر تاريخ، وعظماء العالم، ولكن ليس من موقع القفز على تاريخنا.. الأمّة التي تستحي من ذكر تاريخها لا تستحقّ الحياة؛ التاريخ يُموِّلكم بالمادَّة الأساسيَّة لصناعة المستقبل.

من يفقد تاريخه يفقد مستقبله، ليس لنا تاريخ غير مُشرِّف، تاريخنا مُشرِّف، وقد وقفت كلّ المحافظات سوية، ووقفت كلّ القوى السياسيّة سوية.. نعم، هناك خلافات الله -سبحانه- جعلنا مُختلِفين، الاختلافات غير الخلافات هناك اختلافات:

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) الحجرات/13.

هذا عربيّ، وهذا كرديّ، وهذا تركمانيّ.. اختلاف طبيعيّ جدّاً، لكن -الحمد لله- صنع العراقـيُّون وحدة صفـِّهم في الأزمات، وفازوا، وقدّموا نموذجاً للعالم بأنَّ الشُعُوب عندما تتوحَّد تتضاعف قدراتها، ويتضاعف تأثيرها، وتبلغ بالوحدة ما لا تبلغه عندما تكون مُتفرِّقة..

هذا درس أتمنى أن يشهد المشهد السياسيّ القادم وحدة الصفّ، وأن يكون التنافس تنافساً قرآنيّاً:

((خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)) المطففين/26.

وأرجو من الشعب العراقيِّ أن يستفيد من تجارب الانتخابات السابقة.. ماذا يعني أن نلعن ظواهر الفساد التي أفرزتها الانتخابات السابقة، ونـُكرِّر بأيدينا ظواهر فساد جديدة؟!

إلى متى نقول حدث فساد، ونهب، ولكن نـُكرِّر الأخطاء؟!

والنتيجة -كما يقولون- تتبع أخسَّ المُقدِّمات.. حان الوقت لأن ندرس ما مضى؛ ليس من أجل أن نمحوه، بل لئلا نـُكرِّر ذلك..

دعونا ننشدّ إلى الأكفأ، والآمن، والأكثر تضحية، وليكن من أيِّ قائمة، وأيّ شخصيّة كانت، وهم كُثـُر -والحمد لله-، وموجودون في كلِّ مكان.

ينتظرنا الموسم الانتخابيّ القادم، ويجب أن نتجه له من موقع الإتكال على الله، والالتزام بالخط الصحيح، ونجعل مصلحة العراق فوق كلِّ المصالح.

أشكر لكم استجابتكم.. شكراً لإخواني الأعزاء الذين شرّفونا ضيوفاً في هذه الجلسة الأخ المحافظ، والإخوة الآخرين.

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.


17:31  بغداد